صديق الحسيني القنوجي البخاري

43

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام

والقصاص : المساواة . والمعنى : أن كل حرمة يجري فيها القصاص ، فمن هتك حرمتكم عليكم فلكم أن تهتكوا حرمته عليه قصاصا . قيل : وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال ؛ وقيل : إنه ثابت بين أمة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم ينسخ فيجوز لمن تعدّي عليه في مال أو بدن أن يتعدّى بمثل ما تعدّي عليه ، وبهذا قال الشافعي وغيره . وقال الآخرون : إن أمور القصاص مقصورة على الحكام ، وهكذا الأموال لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » « 1 » أخرجه الدارقطني وغيره وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني . والقول الأوّل أرجح ، وبه قال ابن المنذر واختاره ابن العربي والقرطبي وحكاه الداودي « 2 » عن مالك ، ويؤيده أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أباح لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها « 3 » ، وهو في الصحيح . ولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه الآية : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، وهذه الجملة في حكم تأكيد الجملة الأولى أعني قوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ . وإنما سمى المكافأة اعتداء مشاكلة كما تقدم . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما سار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم معتمرا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون من الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة - وهو شهر حرام - قاضاهم على الدخول من قابل ، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين وأقصّه اللّه منهم ذلك في هذه الآية « 4 » . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه ، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد « 5 » نحوه أيضا ، وأخرج أيضا عن قتادة نحوه « 6 » ، وأخرج ابن جرير عن

--> ( 1 ) [ حسن ] أخرجه الدارمي في السنن [ 2 / 264 ] وأبو داود في السنن [ 3 / 288 ] ح [ 3535 ] والترمذي في السنن [ 3 / 564 ] ح [ 1264 ] وأخرجه أحمد في المسند [ 3 / 414 ] . ( 2 ) جاء في المطبوع [ الأوزاعي ] وهذا خطأ والتصحيح من فتح القدير [ 1 / 192 ] . ( 3 ) [ متفق عليه ] أخرجه البخاري في الصحيح [ 9 / 507 ] ح [ 5364 ] ومسلم في الصحيح ح [ 1714 ] . ( 4 ) أخرجه الطبري في التفسير [ 2 / 202 - 203 ] ح [ 3136 ] وصحيح البخاري [ 5 / 329 ] ح [ 2731 ] . ( 5 ) انظر « تفسير الطبري » [ 2 / 203 ] ح [ 3137 ] . ( 6 ) انظر « تفسير الطبري » ح [ 2 / 203 ] ح [ 3138 ] .